Antar and Abla Opera - Outstanding love , equestrian shaken off the dust of time to live in the Kingdom of singing

Monday, 11 July 2016
May Mnassa
Al Nahar

على مسرح كازينو لبنان كانت سيرة "عنتر وعبلة" تنفض غبار الزمن لتحيا زمناً مشعاً في مملكة الغناء الليريكي. كان حلماً كتب موسيقاه مارون الراعي مؤسّس إنتاج الأوبرا في المعهد الوطني العالي، وغنّاه غسان صليبا، فتحقّق.

يموت الأمل ولا يفنى الرجاء ببلدنا لبنان، حين تعلو فوق العدم الذي بات خبزنا اليومي أفعال رسل رصدوا طاقاتهم الإنسانية والثقافية والفكرية، في مشاريع تحيي النفوس التائقة إلى الهواء النقي بدل الفاسد، وتفرض الاعتزاز بالوطن بدل الخجل منه.
هذه المقدّمة ما كنت لأكتبها لو لم يهب إعصار حب وعرفان في نفسي إزاء هذه "المعلّقة" التي حوت في كل حبة رمل منها أرقى ما في إمكان الموهبة اللبنانية أن تصوغه في هذه الكوكبة من المبدعين اللبنانيين المحترفين والمتماسكين بشغف وإيمان، للصعود بهذا العمل البنّاء، والطامح بكل فخر إلى مصاف الأوبرا العالمية على جميع الأصعدة المتكاملة بحسنها وقدراتها الانسانية والتكنولوجية: الموسيقى الأوركسترالية، كتابة الحوارات المغنّاة المشتقة من معلقة عنتر بن شدّاد، الأصوات، الكوريغرافيا، الإخراج، الديكور الأضاءة والأزياء...
بنفس الأديب المعتّق في كتابة المسرح، اختار الدكتور أنطوان معلوف من مخزونه لمعلّقة عنتر بن شدّاد ما ينسجم مع الموسيقى وكل بيت صادح من حناجر المغنين منطلقاً لبث المشاعر الراقية في السمع.
في مستهل الفصل الأول وفي إطارٍ تخيّلته مصممة الديكور هند يمين لوحة من ثلاثة أبعاد، لا حركة فيها. مجموعة من أهل البادية ملتئمة على بعضها، يتسع وراءها المكان المصنوع مما يشبه كثبان الرمال، فيما البعد الثاني لوحة إنطباعية لشروق شمس أو لغيابها.
في الحفرة، وبإشارة من عصا المايسترو مارون الراعي، تنطلق موسيقى صباحية تنادي للحياة. يتحرّك المشهد، فتتوزّع النساء بأزياء ترابية بلون الكثبان من تصميم ريموند رعيدي. البعد الثالث نلمسه في رؤى المخرجين ميرانا النعيمي وجوزف ساسين في هذا التواصل بين حرب عشائرية وقصة حب بين عنتر الفارس الأسود المولود من جارية حبشية وأب من سادة قبيلة عبس وعبلة ابنة قبيلة عبس البيضاء اللون، يعيشان حبهما في خضم الصراعات القبلية بين قبيلتي عبس وطي. في الأوبرا يغدو القتال بالسيوف رقصاً بديعاً من تصميم مالك عنداري الذي أتحفنا برقصة صولو تعود جذورها إلى تقاليد البدو وعاداتهم، في أفراحهم وأتراحهم. فإذا للرقص مفاعيله في بث الحيوية في كل مشهد، فإن الجسم الغنائي كان له في هذا العمل رسالته الانسانية الرافضة الجرثومة القارضة بين أسود وأبيض، ولمَ لا بين مذهب وآخر، بين دين وآخر؟
الأصوات الجوقية كما المنفردة هي كلّها من خليّة المعهد الوطني للموسيقى، هذا المعهد الساهر على مستوى الموسيقى الأوركسترالية والغناء الكلاسيكي في تربيته على أرفع المستويات، خلايا من المغنين والعازفين ليكونوا سفراء حضارة إلى العالم، من هؤلاء برزت على مسرح كازينو لبنان مواهب أضافت، إلى حسن غنائهم، التمثيل. في سحابات غنائهم، كانوا بإلقائهم شعر بن شدّاد يبثّون شحنات من تفاعلات ولواعج أرست في هذا الإطار واقعاً من تاريخ لم تزل آثاره في معلّقات شعراء الجاهلية. فمن هم هؤلاء المرصودون ليكونوا سفراء أوبرا لبنانية - عربية إلى العالم؟ فإذا كان إسم نجم الغناء العربي غسّان صليبا على رأس قائمة المغنّين في دور عنتر، فالبطولة تليق به، فارساً، بكل جدارة واحتراف عال، انسجمت أوتار صوته المنحوت في المسرح اللبناني الفولكلوري بالأصوات الأوبرالية المشغولة لسوبرانو وميزو سوبرانو وتينور وباريتون. هو طيفه وراء غشاء من الشوق يهف قلب عبلة إليه: يا دار عبلة بالجواء تكلّمي/ وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
ويعلو صوت عبلة مستجيباً، عاشقاً، يغرد بحنجرة لارا جوخدار، السوبرانو المحترفة المسرح الغنائي. صوت أنثوي آخر كانت له إشراقته، صوت كونسوال الحاج في دور سلمى. في قبيلة عبس، تجلّت أيضاً شخصية عمارة عبس بصوت شربل عقيقي. أما في المواجهة بين عبس وطي، فيتألّق ماكسيم شامي التينور بوسامته المنسجمة مع دوره مارد طي، غريم عنتر. ولعنتر شقيق هو شيبوب يجسّده بالصوت الخارق والأداء المسرحي بيار سميا. في الفصل الثاني يطل شدّاد والد عنتر في شخص الباريتون إبرهيم إبرهيم. الأوركسترا في دخول هذا الشيخ لديها ما تقوله. لحن حزين من أبواق تنذر بلقاء بين عنتر ووالده الذي طالما أنكر ولادته السوداء من جارية.
عاد عنتر ظافراً من الحرب وبمعجزة الموسيقى ذاب قلب الوالد الحجري حباً واعترافاً بولده وبارك زواج عنتر من حبيبته عبلة.

may.menassa@annahar.com.lb