Antar and Abla, An Opera worthy Baalbek

Friday, 22 July 2016
Jean Daoud
Al Safir

اوبرا عنتر وعبلة اجتازت بنجاح بين الأوبريت والأوبرا ونجحت كلاماً وموسيقى

أوبرا «عنتر وعبلة» لا تنفصل عن الكلّيّة الإنسانية، قُلْ: ذهبت في اتّجاه الفنّ الشامل. وتنصهر فيها العناصر والمكوّنات ليولد العرض بماهيّة وهويّة، في وحدة فنّيّة ووحدة في الماهيّة. وهي تحملنا بعيداً عن فصول الدّماء والتصحّر الإنساني، إلى موقع إشراقيّ باحتفاليّةٍ تعيد المعنى إلى العروبة إنساناً، وتطلّعاً، وتخطّياً، وعَظَمةَ لغة. حملني العرض بعيداً عن مآسي الحياة اليومية ومفردات العنف والبشاعة. حملني إلى ذاتي في نداءٍ لِمَن يوماً أعتزّ بهم من مُفكرين ومبدعين عرب، ليحملوا الدعوة إلى حركة عروبة إنسانية تُقدّم العقل على الكتب، وإلى أوبرا وفنون تُقدّم الإنسان على النظام، والأخلاق على التديّن، والمبادرة على الاتكال، والمغامرة على الانتظار، والإبداعية على الاجتهاد، والإبداع على التقليد، والإنجاز على الوعود، والفوضى المُبدِعة على الانتظام القاهر، والشكّ على اليقين، والكرامة على المال، والتقشّف على الاستهلاك، واللامصلحة على النفعيّة، والاستقلاليّة على التبعيّة، والفلسفة على الجهل، والبحث العلمي على استيراد الأفكار، والثقافة على الشهادات، والشّجاعة على الخوف، والإقدام على الإحجام، والتعاون على الانقسام، والاختلاف على التشابه، والتنوّع على التأصيل، والاختبار والتجديد على الاستغراق في التقليد، ونقض النظرية على التقيّد الأعمى، والسّهل الممتنع على البارق الخدّاع، والغيريّة على الأنانية. كما المايسترو مارون في خلوته الفنية البنّاءة ونضاله الصامت.
أقدم وغامر وبنى ابتسامة وفرحاً في القلوب، والحياة. بنى بالموسيقى بعيداً عن أنانية المبدع. فكان رجل نهضة وكان المايسترو. لَمْ يحجب النّص، ولَمْ يحجُب الممثّل. الممثّل الفرد والجماعة، حاضر وشريك في إبداعيّة العرض وعصبه. القيادة الهادئة الرصينة المليئة بالعصب والشغف للأوركسترا قابلتها قيادة رائعة مشهديّة للجماعات.
في أوبرا «عنتر وعبلة»، يتحدّى غسان صليبا (عنتر) نفسَه بشجاعة ويقتحم ملعباً جديداً بثبات، فينسج بنجاحٍ جسرَ عبور بين مرحلتين (الأوبريت والأوبرا). وتُعيد لارا جوخدار (عبلة) جنّتَنا المفقودة بتلوين ومهارة وأداءٍ ولعبٍ تقترن فيه بعظمة الموسيقى حتى حلولٍ بين عاشقين. تنحني الموسيقى لصوتها كانحناء فارس لعشقه، تتناغم مع الأوركسترا، في تأليف رائع. لحظةٌ مفصل هي وبصمة وعلامة وإعلانُ زمن جميل آتٍ. ويغفر صوت مكسيم الشامي وأداؤه سوءَ خلق وشرور مارد طي، ويتميّز شربل عقيقي بحضوره وأدائه المميزين، وتطمئنّ مع بيار سميا (شيبوب) في حضوره وصوته وأدائه أنّ طلاب الغناء الأوبرالي العربي بين أيدٍ محترفة وقلوب كبيرة. ويثبت أهل العرض عناية فائقة للِمُخرجَين ميرانا نعيم وجوزف ساسين يسيران في درب «إخوان الصفاء» في تعاون ثريّ وتواضع ومحوٍ للذات، كلّ منهما أمام ذاته والآخر، ليشرق العرض بإيجابية وجمالية احتفالية وحضور مشهدي وشراكة في إيقاع العرض لا تغيب عنها الدراماتورجيا السّاهرة على التفاصيل من ضمن الرؤية الشاملة للعرض.
اللغة
أوبرا «عنتر وعبلة» متعة جماليّة وعبور إلى اللغة العربية في أبعاد جديدة عبر الصّوت الأوبرالي، عبر جسد ومشاعر تنسكب مدىً جميلاً تسترقّ معه بعلبك نظرةً إلى أمجاد ثقافيّة وفنّيّة حجّت إليها تتبرّك وتزهو في هياكلها. وتزهو في نصّ دراميّ بامتياز قائم بالبساطة والشعرية ومشغول بخبرة وحنكة عالية يحمل بصمات فقيه المسرح الدكتور أنطوان معلوف صاحب «الإزميل» و«جاد» و«البعل» وكتاب «المدخل إلى المأساة» ومتقصّي مارون النقاش، يطرح ثيمات إنسانية: عنصريّة اللون، والنسب والانتماء، والغدر، والغيرة؛ لم تكن العرب تعترف ببني الإماء إلا إن أثبتوا ذاتاً تفوّقاً شعراً أو قوة. وكأنّ للانتماء ثمنا. ويطال النّص الفساد الإنساني وتجارة الأسلحة. فاحذروا يا سادة: لا يصنع الحياة من يربي القطيع لذبحه، ولا يصنع السلام بائع الأسلحة.
في أوبرا «عنتر وعبلة» نحن أمام موسيقى ونَصّ وعرض وإخراج ومؤدّين وموسيقيّين، يفرضون احتراماً وانحناءة، إنّه إنجاز نوعيّ يفتخر به أهله ويحقّ للكونسرفاتوار الوطني أن يعتزّ به وبالأوركسترا وأعضائها في حضورهم وعزفهم وإصغائهم وعصبهم وصهر الذّات والاتحاد بآلاتهم. كما يمكن للجامعة اللبنانية أن تعتز بالمخرِجَين ومساعديهما من خريجي المسرح. وهي لحظة للتأمّل بمشروع ورؤية لوزارة ثقافة لا تخضع في موازنتها لتقشّف، وتعي أنّ أهم مرافق إعادة الدولة بعد الجيش، ثلاث: التربية، الإعلام وتلفزيون لبنان، ووزارة وحركات الثقافة.
في أوبرا «عنتر وعبلة» أولاد الحياة هناك بشغف وخصوصيّة جماليّة، يستصرخون الضمير لإنقاذ الطفولة من العنف والاستغلال والوأد أحياء: أطفال سوريا والعراق واليمن وليبيا والمخيمات، ووأد غير مُعلن بات على امتداد الشرق وآسيا، وغداً أوروبا وأوستراليا وغيرها.
إنّ المتنّسكين من أجل أوبرا عربيّة رُسُل سلام، وعنوانُ خروج من جاهليّة التديّن ولا دين، جاهليّة الاستهلاك والاجترار، جاهليّة عقل تمّ احتلاله أو تغييبه، جاهليّة إلغاء الآخر والرأي الآخر، جاهليّة اغتصاب الفكر وتزوير التاريخ، جاهليّة المادّة وموت القيم، جاهليّة وأد التربية واللغة العربية وأد الإبداعيّة والفنون. فيصحّ في زمن الغدر نداء: ويك «عنتر» أقدمِ. في زمن التخلّي وخيانة الحياة، وخيانة الدولة والمؤسسات، وخيانة القضايا والشعوب والأوطان العربية من أجل حفنة أو مليارات من الدولارات، وحفنة أو مليارات من براميل النفط. أو من أجل شيطان المصالح على حساب الكرامة. ويك «عنتر» أقدمِ. والعنترة يا سادة هي الشجاعة في الشدائد والمجاهرة بالاعتراض عندما صاحب القرار على غير صواب... فطوبى لمن أدرك الفروسيّة وتحصّن بالنبل واتّحد بالإباء. وطوبى لفريق أوبرا «عنتر وعبلة» تليق بأمجاد بعلبك ومهرجاناتها.